الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
517
مختصر الامثل
أيديهم وأرجلهم وسَمَر « 1 » أعينهم وألقوا في الحرة « 2 » يستسقون فلا يُسقَون . قيل : فهؤلاء قوم سرقوا وقتلوا وكفروا بعد إيمانهم وحاربوا اللَّه ورسوله . وفي رواية : فأمر بمسامير فأحميت فكحلهم وقطع أيديهم وأرجلهم وما حسمهم ؛ وفي رواية فبعث رسول اللَّه صلى الله عليه وآله في طلبهم قافة فاتي بهم ؛ قال : فأنزل اللَّه تبارك وتعالى في ذلك الآية . التّفسير جزاء مرتكب العدوان : تكمّل الآية الأولى - من الآيتين الأخيرتين - البحث الذي تناولته الآيات السابقة حول قتل النفس ، وتبيّن جزاء وعقاب من يشهر السلاح بوجه المسلمين ، وينهب أموالهم عن طريق التهديد بالقتل أو بارتكاب القتل ، فتقول : « إِنَّمَا جَزَاؤُا الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِى الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلفٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ لْأَرْضِ » . ومعنى قطع الأيدي والأرجل من خلاف هو أن تقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى . والذي يلفت الانتباه في هذه الآية هو أنّها اعتبرت العدوان الممارس ضد البشر بمثابة إعلان الحرب وممارسة العدوان ضد اللَّه ورسوله ، وهذه النقطة تبيّن بل تثبت مدى اهتمام الإسلام العظيم بحقوق البشر ورعاية أمنهم وسلامتهم . وفي الختام تشير الآية إلى أنّ هذه العقوبات هي لفضح المجرمين في الدنيا ، وسوف لا يتوقف الأمر على هذه العقوبات ، بل سينالون يوم القيامة عقاباً أشد وأقسى حيث تقول الآية : « ذلِكَ لَهُمْ خِزْىٌ فِى الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِى الْأَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ » . ويستدل من هذه الجملة القرآنية على أنّ العقوبات الإسلامية الدنيوية التي تنفذ في المجرمين لن تكون حائلًا دون نيلهم لعقاب الآخرة ، ولكن طريق العودة والتوبة لا يغلق حتى بوجه مجرمين خطيرين كالذين ذكرتهم الآية إن هم عادوا إلى رشدهم وبادروا إلى إصلاح أنفسهم ، ولكي يبقى مجال التعويض عن الأخطاء مفتوحاً تقول الآية الثانية : « إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ » . وبديهي أنّ توبة هؤلاء في مثل هذه الجرائم لها تأثير في ما يخص اللَّه فقط ، أمّا حق الناس فلا يسقط بالتوبة ما لم يرض صاحب الحق .
--> ( 1 ) سمر عين فلان : سملها ( فقأها ) . ( 2 ) الحرة ( بفتح الحاء وتشديد الراء ) : أرض خارج المدينة ذات حجارة سود .